ابن الجوزي
193
زاد المسير في علم التفسير
آدم ) . وقيل : إنما قال : ( من ظهورهم ) ولم يقل : من ظهر آدم ، لأنه أخرج بعضهم من ظهور بعض ، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم أنهم بنوه ، وقد أخرجوا من ظهره . وقوله تعالى : ( ذرياتهم ) قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي " ذريتهم " على التوحيد . وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر " ذرياتهم " على الجمع . قال أبو علي : الذرية تكون جمعا ، وتكون واحدا . وفي قوله [ تعالى ] : ( وأشهدهم على أنفسهم ) ثلاثة أقوال : أحدها : أشهدهم على أنفسهم بإقرارهم ، قاله مقاتل . والثاني : دلهم بخلقه على توحيده ، قاله الزجاج . والثالث : أنه أشهد بعضهم على بعض بإقرارهم بذلك ، قاله ابن جرير . قوله تعالى : ( ألست بربكم ) والمعنى : وقال لهم : ألست بربكم ؟ وهذا سؤال تقرير . قالوا : بلى شهدنا أنك ربنا . قال السدي : قوله " شهدنا " خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم . ويحسن الوقف على قوله " بلى " لأن كلام الذرية قد انقطع . وزعم الكلبي أن الذرية لما قالت " بلى " قال الله تعالى للملائكة " اشهدوا " فقالوا " شهدنا " . وروى أبو العالية عن أبي بن كعب قال : جمعهم جميعا ، فجعلهم أزواجا ، ثم صورهم ، ثم استنطقهم ، ثم قال : ( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) أنك إلهنا . قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) لم نعلم بهذا . وقال السدي : أجابته طائفة طائعين ، وطائفة كارهين تقية . قوله تعالى : ( أن يقولوا ) قرأ أبو عمرو " أن يقولوا " ، " أو يقولوا " بالياء فيهما . وقرأ الباقون بالتاء فيهما . قال أبو علي : حجة أبي عمرو قوله : " وإذ أخذ ربك " وقوله [ تعالى ] " قالوا بلى " ، وحجة من قرأ بالتاء أنه قد جرى في الكلام خطاب " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " . ومعنى قوله : " يقولوا " : لئلا يقولوا ، ومثله : ( أن تميد بكم ) . وفي قوله [ تعالى ] ( إنا كنا عن هذا ) قولان : أحدهما : أنه إشارة إلى الميثاق والإقرار . والثاني : أنه إشارة إلى معرفة أنه الخالق . قال المفسرون : وهذه الآية تذكير من الله تعالى بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق ، واحتجاج عليهم لئلا يقول الكفار : إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين لم نذكره ، ونسيانهم لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى بذلك على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الصادق . وإذا ثبت هذا بقول الصادق ، قام في النفوس مقام الذكر ، فالاحتجاج به قائم .